- الباب الفقهي
- العبادات / الصيام
- المفتي
- الشيخ الدكتور طه أحمد الزيدي
- عنوان الفتوى
- توضيح اشكال حديث لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع.
- السؤال
- عندما أتى النبي ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال: نحن أحق بموسى منكم، فصامه، ثم قال: لئن بقيت إلى العام القادم لأصومن التاسع، وتوفي ولم يصم التاسع). فهذا يدل على أن النبي ﷺ مكث في المدينة سنة واحدة، ونعلم أنه مكث أكثر من عشر سنوات،وقد اشكل عليّ هذا الحديث وأريد التوضيح، وجزاكم الله خيرا.
- الجواب
-
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:
فقد ذهب جمهور علماء الأمة على استحباب صيام يوم عاشوراء،لحديث النبيّ ﷺ: ((هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليَصُم، ومَن شاء فليُفطر)) متفق عليه، ولحديث أَبي قَتَادَةَ -رضي الله عنه-، في صحيح مسلم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ((صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَه)). ولحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه- الذي ذكره المنذري في الترغيب والترهيب وقال: رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن: قال رسول الله ﷺ: ((من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة خلفه، ومن صام عاشوراء غفر له سنة)) صحيح الترغيب والترهيب للشيخ الالباني.
قال الامام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح مسلم [8/12]: (وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف بأن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرَّم، وهذا ظاهر الأحاديث). وقد أمر النبيّ ﷺ بصوم عاشوراء وهو العاشر من محرم لِما فيه من الأجر العظيم والثواب الجزيل من الله تعالى، فلما قَدِم المدينة مهاجراً إليها، كما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما-، حيث قال: قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ((ما هذا؟)). قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: ((فأنا أحق بموسى منكم))، فصامه وأمر بصيامه. متفق عليه وقد صامه النبيّ ﷺ سنين عديدة، فلما كان في آخر عمره ﷺ أُخبر بأن اليهود تُعظِّم هذا اليوم وتتخذه عيداً، فأراد أن يخالفهم، فقال: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومنَّ التاسع)) رواه مسلم.
لكنه ﷺ توفي قبل ذلك، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- إلى هذا التوجيه فقال في الفتاوى الكبرى: (لما كان آخر عمره ﷺ، وبلغه أن اليهود يتخذونه عيداً، (قال: لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع). ومما يؤيد ذلك قول ابن عباس -رضي الله عنهما-: (خالفوا اليهود، وصوموا يوم التاسع والعاشر). صحيح رواه عبد الرزاق في مصنفه، والطحاوي في شرح معاني الآثار.
فالحمد لله لا يوجد تعارض او اشكال في الحديث، لأنه عبارة عن حديثين مستقلين، فالنبي ﷺ صام عاشوراء أول مقدمه المدينة ولم يعزم وقتها على صيام التاسع معه، وظل يصوم العاشر وحده إلى ما قبل وفاته، فلمَّا ذكّره الصحابة - رضي الله عنهم- بأن اليهود يعظمونه، وقد علموا من سنته أنه يحب مخالفتهم بعدما كان في أول البعثة يوافقهم، أخبرهم عندها أنه سيصوم التاسع معه، ومات قبل مجيء التاسع من السنة التالية، فلا تعارض او اشكال في الامر، فالحديث الأول كان في أول قدومه للمدينة، وأما الحديث الثاني فقد كان في آخر حياته ﷺ. قال الامام ابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى- في زاد المعاد في هدي خير العباد [2/66]: (أنَّه لما قَدِمَ المدينة وجدهم يصُومون يومَ عاشوراء: فليس فيه أن يومَ قدومِه وجدَهم يصومُونه، فإنه إنما قَدِمَ يومَ الاثنين فى ربيع الأول ثاني عشرة، ولكن أول علمه بذلك بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة.... .وأنه عليه السلام قال قبل وفاته بعام وقد قيل له إن اليهود يصومونه «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع» أي -خالفوا اليهود وصوموا يوما قبله أو يوما بعده- أي: معه ولا ريب أن هذا كان في آخر الأمر وأما في أول الأمر فكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء فعلم أن استحبابه لم يترك . وأيضا رواية الحديث الدالة على وقوع ذلك حين قدم المدينة -هكذا بالإطلاق -، تحتمل أن تكون بعد عودته من حجة الوداع، وتحتمل عند الهجرة وعلى الوجهين لا إشكال، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فيكون في أول الأمر مشروعا دون مخالفة اليهود بزيادة التاسع، ثم خالفهم قبل موته لمناسبة ذلك مع كمال الدين ..الذي بقيت تتنزل أحكامه إلى ما قبيل وفاته). وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في فتح الباري [10/361]: (ما رواه مسلم أيضا من وجه آخر عن بن عباس: أن النبي ﷺ قال:» لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع» فمات قبل ذلك، فإنه ظاهر في أنه ﷺ كان يصوم العاشر وهمَّ بصوم التاسع فمات قبل ذلك، ثم ما همّ به من صوم التاسع يحتمل معناه أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر.
إما احتياطا له وإما مخالفة لليهود والنصارى وهو الأرجح، وبه يشعر بعض روايات مسلم ولأحمد من وجه آخر عن بن عباس مرفوعا: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود صوموا يوما قبله أو يوما بعده» وهذا كان في آخر الأمر وقد كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كان فيما يخالف فيه أهل الأوثان فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب، أيضا كما ثبت في الصحيح فهذا من ذلك فوافقهم أولا وقال نحن أحق بموسى منكم، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم). وبهذا يزول الإشكال الذي ظهر لك اخي السائل الكريم ولله الحمد .والله تعالى أعلم
- الموضوع الفقهي
- أحكام الصيام
- عدد القراء
- 282